سجـــل الآثــار القديمــة

يمكنك في العادة أن تقول  عندما تضرب عظماً  أنه يصدر صوتاً مختلف كلية عن الصخرة أو الآنية الفخارية أو التربة المألوفة.  شيء من الصعب أن تصفه ولكن يمكنك أن تحدث به.  دائماً في التنقيب  في بادئ الأمر يمكن فقط رؤية جزء من العظم. ويجب عليك  بحذر أن تزيل  التربة حتى تستطيع أن تحدد إلى أي حيوان ينتمي هذا  العظم. وإذا ذُكر -   فيما قبل -  أن في الموقع بقايا إنسانية ، فإنك تفترض أن البقايا الموجودة فيه هي بقايا إنسانية ومن  ثم فلابد من  توخي الحذر الكامل عند التنقيب. وبناءً عليه فإن  الجواريف وأدوات الالتقاط يتم استبدالها بالفرش ، وتتباطأ سرعة  عمل التنقيب إلى حد كبير.

 

تقوم أنت بتنظيف التراب بواسطة الفرشاة، فترى العظم بوضوح للمرة الأولى.  لم تزل حواف ونهايات العظم مختفية تحت الغبار والتراب ، ولكن تنظيف أكثر سوف يظهرها.

أحذر ! إذا كان العظم هشاً أو قابلاً للكسر ، فحتى التنظيف بواسطة الفرشاة يمكن  أن يسبب له ضرر كبير.

 

متى ما عرفت لمن يكون العظم ، فيمكنك أن تعرف إلى أين يمتد في التربة، ومن السهل متابعته. وقد لا يكون في مقدورك بعد تحديد إذا ما كان لإنسان أم لا، وقد تحتاج إلى رؤية المزيد منه. إذا كان العظم الأول يرتبط بآخر، فمن المحتمل أنه لا زال في موقعه الأصلي.

 

أنظر  .. يمكنك  الآن رؤية أطراف عظمين متصلين... بقايا إنسان بدون شك. فليذهب أحدهم لإحضار نموذج تسجيل دفن. أطراف العظم قد انصهرت، ومن ثم تعرف بأن هذه العظام لشخص في سن المراهقة، وحالما  تكشف على الحوض تستطيع أن تحدد ما إذا كان لرجل أو لامرأة.

 

استمر في ا لحفر، ولكن كن حذراً .. فربما تكون هناك أشياء أخرى ذات نفع موجودة ، والحفر البطيء والدقيق فقط هو الذي سيقوم بإظهارها.

 

 كن حذراً .. هنالك فرص حقيقية قليلة لكي تتوصل إلى اتصال مباشر مع  أهل الماضي، والحفر والتنقيب هو واحد من تلك الفرص. أولئك هم الناس الحقيقيون  الذين تقوم بدراستهم. يمكنك النظر إليهم، ورؤية وجوههم، ومعرفة ما إذا كان لديهم التهاب في المفاصل، أو أسنان سيئة، وهل هن أمهات أو آنسات، وتأخذ فكرة عن حالة معرفتهم الطبية والعلاجات الخاصة بهم ، ومعرفة العناية التي يعطونها لموتاهم، والكثير من المعلومات الأخرى.

 

وإذا كانت هنالك أدوات في القبر  موجودة، يمكن من خلالها أن تتعرف على حالتهم :  ما إذا كانوا قادة ؟  ، أغنياء ؟ ، عمال متخصصين ؟ ، وكثير من المعلومات ا لأخرى. كما أن التحليل الكيميائي لعظامهم يمكن أن يظهر تفاصيل حول غذائهم، وبيئتهم، وحتى عن  الرحلات التي كانوا يقومون بها.

 

ويمكن أن يتم فحص الحمض الوراثي (DNA) لهم وبناءً عليه يمكن تكوين أشجار العائلة لهم. هذه المعلومات المفصلة إضافة إلى المعلومات الأخرى المتحصلة من الموقع يتم جمعها معاً لتشكل صورة أكثر تكاملاً عن حياة هؤلاء  الناس الذين كانوا يعيشون في هذا الموقع  في تلك السنوات الماضية.

 

الناس حقيقيون، وحيواتهم كانت حقيقية ، وكذلك فإن بقاياهم حقيقية.      انتبه  ..!  في كثير من الحالات فإن أحفاد هؤلاء الموتى يكونون أحياء ويهمهم ما يحدث لأجدادهم،  فيجب عليك أن تكون منتبهاً لمراعاة مشاعر الأحياء عندما تتعامل مع الموتى.

 

السجل الآثاري  يتضمن المواد المتبقية  عن السلوكيات  والنشاطات الإنسانية السابقة . وهو يشتمل على المواد والأشياء ( الحضارة / الثقافة  المادية)، المتوزعة في شكل رسومات أو عينات عبر الزمان والمكان والتي توجد بدرجات متنوعة تحت الحفظ والمراقبة.

 

السجل المعروف يشتمل  على كل المعلومات المتحصل عليها وذات العلاقة بالماضي، : الأماكن الأثرية  وحالة المواقع،  إضافة إلى جميع المصنوعات اليدوية والتي جمعها من تلك المواقع، وجميع السجلات التي تحتوي على البحث والتحقيقات ، إضافة إلى نتائج جميع التحليلات التي تم عملها المواد الأُثرية. إضافة إلى السجل المنشور للتحقيقات والبحوث الأُثرية.

 

من المهم الحفاظ على السجلات المحتوية على البحوث  والتحقيقات السابقة بنفس المقدار الذي نهتم فيه بالمحافظة على المواقع نفسها. ويعتقد البعض أن السجل يجب أن يحتوي فقط على ما يتم معرفته بواسطة علماء الآثار، ولكننا هنا نعرف السجل بأنه ( السجل الذي يحتوي  على جميع المعلومات ، سواء تم اكتشافها والتأكد منها  أم لا).

 

 فكر في سجل الآثار وكأنه مكتبة ضخمة  خاصة بالسلوك البشري  في ماضي الزمان والذي تم تناوله ووصفه في عدد كبير من الكتب، بعضها سهل القراءة وبعضها صعب، وبعضها به عدد من الأوراق المفقودة، وبعضها يحتاج إلى الترجمة.

 

سجل الآثار يشتمل على العديد من المواد التي تشكل سجل ماضي السلوك البشري والمراكز  المنفصلة للنشاط الإنساني السابق تسمى  ( مواقع ) وتوجد في أشكال متعددة ويمكن لتلك المواقع أن تحتوي على المصنوعات اليدوية ،والمعالم ، والبقايا الإنسانية وذلك بشكل منفرد أو ضمن تجمعات.

 

 الأماكن والمواد التي تحتوي عليها تلك المواقع  تشكل  ( نماذج)   تعتبر أيضاً جزءاً من السجل الآثاري. وبشكل عام فإن الأشياء ( تدخل ضمن سجل الآثار) وتصبح جزءاً من ( النموذج ) عندما يتم طرحها أو فقدانها، أو يتم ا لتخلي عنها، أو يتم تخبئتها بواسطة القدماء .

 

الغالبية من المواد التي تظهر في سجل الآثار  يكون قد تم  طرحها بعد الاستخدام، وأغلب المواد التي يتم اكتشافها تكون مكسورة، بالية ، وغير قابلة للاستخدام مرة أخرى.  ومع ذلك،  في بعض الأحيان نجد مواد كاملة وصحيحة كانت  قابلة  للاستخدام  في زمانها ولكنها فقدت أو تم رميها ( كما حدث  في  بومبي). وفي بعض الحالات، وأحياناً نجد مواداً قد تم تخبئتها بواسطة أصحابها وعناصر تم تخزينها عن قصد ولم يتم استردادها  أو تم دفنها مع الموتى. وأحياناً يربك أهل الماضي سجل الآثار خاصة عندما يبحثون عن المواد في المواقع القديمة ،ويعيدون استخدامها قبل أن تدخل مرة أخرى في السجل.

 

 

المواقـــــع الأثـــريــة

-         الموقع الأثري : هو مكان جغرافي تكون فيه بعض الدلائل والشواهد على وجود نشاطات إنسانية قديمة. ولتعريف الموقع كموقع آثاري ،  لا بد من وجود شواهد أو دلائل مكتشفة للنشاط البشري: مثل وجود مصنوعات يدوية، معالم، أو أي مواد أخرى. وفي بعض الأحيان يتم تعريف الموقع على شواهد ليست ملموسة بشكل كافي، مثل: اعتبارات إثنوغرافية، سجلات تاريخية أو صور.

 

-         الموقع يجب أن يكون له حدود جغرافية تفصله من المواقع الأخرى، لأن المواقع أيضاً تعتبر  وحدات تحليلية (منشآت  يستخدمها علماء الآثار لإبقاء سجل الماضي منظماً).

-         البقايا المادية و المصنوعات اليدوية ، والمعالم التي تقع داخل الموقع لا تكون موزعة في الموقع بطريقة عشوائية ،  فهي تكون متركزة في أحد المواقع وتكون موزعة بمقدار أقل في موقع آخر أو قد تكون غائبة كلياً.

-         بينما تسير إلى  الخارج  من وسط الموقع، فسوف تلاقي بقايا أقل وأقل إلى أن – في نقطة معينة – لا تجد  أي بقايا. وإذا واصلت المسير، فسوف تلاقي في آخر الأمر بقايا أخرى، وسوف تجد بقايا أكثر وأكثر ذات تركيز  آخر. هل هذين موقعين مختلفين ؟!  وإذا كان الأمر كذلك ، كيف تعين حدودهما ؟ .

 

اتخاذ هذا القرار يعتمد على عدد من العوامل، بما في  ذلك المسافة بين نقطتي المركز ، ونوعية المصنوعات اليدوية الموجودة، وجغرافية المواقع.

 

-         إذا كانت نقاط المركز  تقع قريبة من بعضها البعض،                                                      فإنها انتمائها يكون لموقع واحد.

-         وإذا كانت إحدى نقاط التركز تحتوي على مواد رومانية  وكانت نقطة التركز الثانية عبارة عن مقلب نفايات حديث، فإن هاتين النقطتين يتم فصلهما  وتسجلان كمواقع منفصلة. وإذا كانت المصنوعات اليدوية في نقطتي التركز متشابهتان  ولكن يفصل بينهما ( نهر ) فإنه يتم تسجيلها كموقعين مختلفين.

-         وكما هو موضح في الشكل (4-1)  فإن  الأشخاص العاملين  بالآثار في الغالب يقومون بتعيين حدود الموقع بطرق  مختلفة ، فالبعض منهم يفضل أن يجمع نقاط التمركز في نقطة واحدة، والبعض الآخر منهم  قد يقوم  بتقسيم تلك النقاط إلى نقاط متعددة. 

 

وكما أن معرفة أين توجد المواقع الأثرية هو شيء مهم، فكذلك فإن معرفة الأماكن التي لا توجد فيها أثار هو  أيضاً شيء مهم. وإذا أردنا فهم استخدامات البشر للأرض وطريقة تكيفهم البيئي ،فيجب علينا أن نعرف ما هي الأماكن التي لا يذهب إليها الناس ؟ وما هي الأشياء التي لا يستخدمونها.

 

-         بعض الأماكن قد تكون صغيرة و بسيطة جداً ، والبعض الآخر  قد يكون كبيراً ويمتد عبر مناطق واسعة. والمواقع الكبيرة في الغالب تحتوي على مناطق بارزة أو مميزة، وكل منطقة منها تسمى  المكان (Locus)، ويمكن تعريفها على أساس العمل أو الوظيفة التي تستخدم فيها. مثل  موقع   ( الورشة)، أو موقع  (معالجة النباتات) .  كما أن الموقع أيضاً  يمكن أن يعرف على أساس  الانتماء العرقي لشاغليه. على سبيل المثال:  كان هناك موقع في مدينة تعدين في القرن التاسع عشر في غرب الولايات المتحدة حيث كان يعيش الأمريكان من أصل أوربي ، وكان في نفس المدينة موقع آخر يعيش فيه الأمريكان الأصليين  في نفس الوقت من الزمن.

-         كل المواد الأُثرية في موقع ما والمنتمية إلى ثقافة معينة ، سواء أكانت حضارة أو ثقافة معروفة فعلاً أو كانت حضارة أو ثقافة أثرية، تشكل أو تؤلف جزءاً أساسياً من الموقع أو المكان.

-         وكل المواقع تحتوي على عنصر أو أكثر: كل عنصر يمثل سيطرة حضارة معينة عبر فترة زمنية محددة. وقد نجد عناصر المكان مرتبة بطريقة بسيطة أو معقدة في شكل تراصفي. وقد تكون العناصر متعاصرة إذا ما احتلت حضارات أو ثقافات مختلفة  مناطق مختلفة من الموقع في نفس الوقت.

-         لأن عناصر أو مكونات الموقع تعرَّف عامة  بناءً على المصنوعات اليدوية ، فإن مزيج الـبقايا المتداخل في الترسبات يمكن أن يمزق ويشتت تلك المصنوعات، إلى درجة قد تجعل من الصعب تمييز عناصر الموقع. وإذا لم يكن تمييز العناصر ممكناً، فإن السلوك الثقافي أو الحضارة المرتبطة  بتلك العناصر لا يمكن تحليلها، ولا يمكن عمل المقارنات مع  العناصر والمكونات الأخرى . وفي حالات كثيرة ، فإن المواقع البسيطة ذات العنصر الواحد تكون ثمينة جداً لأن رواسبها لم تختلط ورواسب العناصر الأخرى، وذلك مما يجعل التحليل  بسيط نسبياً.

-         إذا تغاضينا عن أو لم نستطع التعرف  على شواهد ودلائل الموقع، فإننا بوضوح لا نستطيع أن نكتشفه. على سبيل المثال:  إذا سار شخص ما على  شاطئ بحيرة قبل 5000  سنة وترك أثار أصابعه على الرمال، فإن هذا المكان الذي سار عليه ذلك الشخص  يصبح موقعاً أثرياً،   ولكن إذا قامت أمواج البحيرة بغسل تلك الآثار فإن ذلك المكان لن يُعرف  وسوف لن يكون له مكان في الوجود.

 

أنـــواع المواقـــــع:

تأتي المواقع في تنظيم أو ترتيب محير من الأنواع ويمكن تصنيفها تبعاً لأي عدد من الظواهر. وثلاثة من الظواهر التنصيفية الرئيسية هي:

1-السياق  الجغرافي.

2-الوظيفة .

3-                       العمر.

 

أوصاف المواقع المتعددة تضم خصائص من كل واحد من هذه الأصناف الواسعة.

- السياق  الجغرافي: يصف حالة الموقع بالنسبة إلى البيئة المحيطة به. وربما أن  العلامة الفارقة ا لأولى هي :  هل الموقع  موجود  تحت الماء أم  على سطح الأرض ؟ ،  فالمواقع التي توجد تحت الماء عامة تصنف على أساس النوع وليست على أساس جغرافي  (حطام السفن هو الأكثر شيوعاً). وأكثر المواقع المعروفة هي على سطح  الأرض وتصنف على أساس جغرافي.

-         أكثر المواقع الأرضية  هي ( مواقع مفتوحة) تقع في العراء  ونسبياً تكون غير محمية من العوامل الطبيعية مثل المطر، والرياح، والجو.  وبعض المواقع الأرضية توجد في مناطق افضل من حيث الحماية ، مثل الكهوف أو  الأماكن المحاطة بالصخور. ومن ثم فإن المواد التي توجد في المناطق الأخيرة تكون محفوظة بطريقة أفضل من المواد الموجودة في الأماكن الأخرى التي توجد في المواقع المفتوحة.

-         العديد من المواقع تنحصر فقط على سطح الأرض، ولا توجد فيها مواد تحت الأرض. ومثل هذه المواقع تسمى  المواقع السطحية وهي لا تحتوي على ترسبات . وإذا احتوي الموقع على ترسبات  فإنها قد  تكون في مكان ضحل أو عميق وذلك حسب  الظروف.

الطريقة الثانية لتصنيف المواقع : هو التصنيف حسب الوظيفة (Function) : مثل أين يعيش الناس ؟ أين يمارسون أنشطة معينة ؟ ، أين يدفنون موتاهم ؟ وأين يمارسون أنشطتهم الدينية  ؟

 

الموقع السكني (habitation site): هو المكان الذي يعيش فيه ا لناس ، والذي يحتوي على العديد من الشواهد على وجود سلسلة واسعة من النشاطات المحلية. وإذا عرفت تفاصيل أكثر عن الموقع السكني،  فإن كلمات مثل ( مخيم) ، ( قرية) ، (بلدة ) ، (مدينة) قد تستخدم لوصف تلك التفاصيل.

 

المواقع ذات الأغراض الخاصة: وهي تلك الأماكن التي تمارس فيها أنشطة بعينها . هذه المواقع قد تشمل الأماكن التي يقلع فيها الحجر، أو الأماكن التي يتم فيها ذبح الحيوانات ، أو  حيث ينتج السيراميك ، أو حيث يصهر الحديد، أو حيث تؤخذ مقاييس القمر، أو حيث تخزن المواد، أو حيث تأخذ نشاطات أخرى متعددة مكانا.

 

المدافن أو المقابر: هي أيضاً أماكن ذات طبيعة خاصة. وفي بعض الأحيان فإن مواقع صغيرة ذات وظيفة غير معروفة  تسمى ( ذات الغرض الخاص) -ببساطة لأن الأثريون لم يعرفوا وظيفة تلك المواقع. 

 

-         ويتم تصنيف المواقع أيضاً تبعاً لعمر الموقع العام، مثل  ( مواقع العهد الروماني) ،          ( المواقع التاريخية) . وفي القليل من الحالات قد نعرف شيئاً عن الموقع بدون النظر إلى عمره . على سبيل المثال. إذا عثرنا على فخاريات رومانية  في ذلك الموقع ، فإننا نعرف أن الموقع يرجع تاريخه إلى العهد الروماني حتى ولو لم نعرف أي شيء عن ذلك الموقع.

 

ترسبات الموقع: إذا كان الموقع محتلاً لأي مدة من الزمن، فإن المواد تبدأ خلال ذلك بالتراكم  فيه ، وترسبات الموقع تبدأ بالتطور والنمو. والمواد المطروحة تبدأ بالاندفان والانطمار  بواسطة الدوس عليها.وبواسطة غسيل التربة والذوبان فيها. وقد كانت الكثير من مدن الماضي مبنية بالطوب الطيني . وعندما كان الطين يذوب ويتحلل ببطء كان يتم إعادة  بناء وتسوية  تلك المباني مرة أخرى.

 

ويشكل الحطام والأنقاض ترسبات من النفايات والطوب الطيني الذائب والذي يبلغ سمكه في بعض الأحيان مئات الأقدام.

 

في الشرق الأوسط، تسمى هذه الترسبات الضخمة بـ (tells)، وعدد من المدن الحديثة مثل تل أبيب ،و هي الأخيرة ضمن عدد  كبير من المدن التي بنيت على ترسبات المواقع القديمة هذه. 

-         التربة  التي تتشكل أو تتكون  نتيجة النشاط البشري  تسمى ( التربة الصناعية) أو (التربة بشرية المنشأ).

 

ترسبات الموقع تتكون من ركام البقايا المنحلة والتي تسمى أحيانا بـ  مجمع  الفضلات القديمة  . يحتوي مجمع الفضلات  على أدوات مكسورة ، ومصنوعات يدوية مستعملة، قشور وأصداف، أجزاء نباتات، عظام، فحم ، رماد نيران، ونفايات منازل.

 

تتراكم ترسبات الموقع بسرعات مختلفة . وبمرور الزمن، فإن الترسب يمكن أن يشكل طبقات متميزة بشكل واضح بناءً على اللون، ونوعية التربة، ومحتوى المصنوعات اليدوية الواضح ( مثل طبقة فخارية)، أو ذات خصائص أخرى. وكل طبقة ظاهرة تسمى (stratum)  والجمع (strata) وتعني الكلمة أيضاً الطبقة. ومجموع الطبقات يكون مجمل طبقات الموقع  ( أنظر الفصل الأول).

 

وقد تعكس الطبقات أحداث طبيعية غير مرتبطة باحتلال الموقع، أو ربما تشير تلك الأحداث الطبيعية إلى أحتلالات منفصلة.  الترسبات يمكن أن تكون أفقية أو رأسية أو الاثنين معاً. في بعض الحالات، فإن طبقات الأرض للموقع تكون غير واضحة وتحتاج إلى أن تكتشف وذلك عبر تحليل المصنوعات والمكونات المختلفة للبقايا.  

 

ويوضح الشكل (4-2) مثال للعديد من الأنواع المختلفة لطبقات الموقع ، وإذا لم تتعكر الطبقات فإن الطبقة التي تكون في الأسفل هي الأقدم .

 

وقد تكون طبقات الموقع بسيطة أو مركبة. وعموما، فإن طبقات الموقع تكون رأسية ويعني هذا أن الطبقات تتراكم فوق بعضها البعض، وتكون الاحتلالات الأولى هي الأسفل في الترسبات. ورغم ذلك، فإن طبقات الموقع قد تكون أفقية أحياناً ، ويعني هذا الاحتلالات الأخيرة تكون مجاورة لـ للاحتلالات القديمة وليس فوقها. في بعض المواقع فإن الخليط من الطبقات الرأسية و الطبقات الأفقية المتحركة تنتج حالة أكثر تعقيداً.

وفي الختام، بالطبع، هنالك الموقع الذي تكون فيه الطبقات شديدة التعقيد – الطبقات  رقيقة جداً ويصعب التمييز بينها بسبب تعرضها لعوامل الاضطراب المختلفة.

 

وفي بعض المواقع ، فإن الناس يكونون قد قاموا بنقل نفاياتهم إلى مكان معين         (مثل موقع دفن النفايات) ، لذلك فإن ترسب الفضلات القديمة  يمكن أن يكون بعيداً عن المناطق السكنية. وفي حالات أخرى، قد يقوم الناس برمي نفاياتهم  في  الأماكن الخالية والواقعة داخل المنطقة السكنية ، مثل الرمي بالقرب من المنازل المهجورة، في مواقع ما قبل التاريخ، فإن الناس  غالبا ًما كانوا يعيشون مباشرة في  مجمعات الفضلات القديمة . والتي تستمر في التراكم  طالما أن الناس يواصلون العيش فيها. وإذا عاش الناس بين  الفضلات ، فإن مجمعات الفضلات تلك قد تحتوي على : طوابق حية، أساسيات بيوت، قبور، مواقد ، وأشياء أخرى تتبقى من ممارسة الحياة اليومية.

 

-         التربة المتكونة من تراكم الفضلات  تكون متغيرة ا للون  ومن ناحية كيميائية متغيرة بسبب المواد الموجود فيها. وكثير من تجمعات الفضلات لما قبل التاريخ تكون سوداء اللون بسبب الفحم ورماد النيران، ودهنية زلقة بسبب الشحم الحيواني المنحل في التربة. من ناحية ثانية فإن هذه المواد العضوية سوف تترشح أو تتصفى من التربة، ومن ثم فإن البقايا المتراكمة سوف تكون بذات لون التربة المحيطة.

-         - يقوم علماء الآثار غالباً بالبحث عن والتنقيب في داخل هذه البقايات المتراكمة   لأنها تحتوي على سجل للنشاطات المحلية التي كانت تتم في تلك الفترة الزمنية.

 

الشواهــــد الأثـريـة:

تحتوي أغلب بيانات ومعلومات علماء الآثار مواد وجدت في المواقع، ويشمل ذلك المصنوعات اليدوية ، والملامح ، والبقايا الإنسانية. وبالرغم من أهمية  استرداد المواد الفعلية من المواقع، فإن الأهمية الحقيقية لهذه الأشياء تكمن في ماذا يمكن أن تخبرنا هذه المواد به عن الماضي. سجل علم الآثار يحتوي على المواد المتبقية من السلوكيات التي كانت  تحدث في الماضي.   البقايا التي تشكل أنماطاً حرجة فيما يتعلق بفك رموز السجل. ويتراوح السياق بين: المنطقة التي جاء منها الشيء، ثم الموقع الذي جاء منه الشيء ، ثم المكان الذي وجد فيه الشيء ( السياق في موضعه الأصلي. وكلما كان السياق الذي وجد فيه العنصر جيداً كلما كان العنصر يحمل معلومات أكثر عن الماضي.

 

الشيء في موقعه الأصلي – مرمياً حيث أسقط – يكون في سياقه  الأساسي أو الأولي. والشيء الذي تم تحريكه بعد أن ترسب يكون في سياقه  الثانوي. وفي العديد من الحالات فإن المواد التي تكون في السياق الثانوي  تفقد معظم المواد التي يمكن أن يستفاد منها، لأنها لم تعد في علاقة معروفة  مع المواد الأخرى كما أن النمط العام الذي كان يحتوي هذه المواد قد تم تفتت أو تمزق. إن سياق المواد التاريخية ذو أهمية قصوى في تفسير تلك المواد.

مثال بسيط من الحاضر سوف يوضح ذلك، إذا علم المحققين في قضية ما  أن هنالك شخص ميت في أحد الغرف ووجدت سكين في بالقرب من الموقع، فإنهم لن  يكونوا  قادرين على تحديد ما حدث بالضبط. ولا بد لهم  إذا رغبوا أن يعرفوا الحقيقة من  تكون هناك علاقة بين السكين والشخص الميت. 

 

سياق الذي وجدت فيه السكين والشخص الميت  هو سياق حاسم لفهم الإحداث. وإذا ما تم أخذ السكين بواسطة أحد العابرين فإن الأمر يصبح أكثر صعوبة لإيجاد القاتل. وبنفس الطريقة فإن إزالة الـمصنوعات اليدوية  بواسطة  من قبل الناس يجعل من التجميع الشخصي للعناصر  عملية صعبة بالنسبة لعالم الآثار.

 

المصنوعات اليدوية:

المصنوعات اليدوية هي أشياء مصنوعة أو معدلة قابلة للحمل والنقل ومصنوعة بواسطة الإنسان وتستخدم بواسطته. أو الأنقاض والحطام الناتجة عن صناعتهم أو بقاياها. المصنوعات اليدوية هي الوحدة الأساسية بالنسبة للتحليل عند عالم الآثار. ولكي يتم تعريف المصنوعات اليدوية فيجب أن تظهر دليلاً على صناعتها أو استخدامها. هذا الدليل يمكن أن يأخذ شكل العلامات المصنعة  مثل ندب الرقاقات الموجودة على الكثير من الأدوات الحجرية. الرقائق بنفسها أو اللباس المستخدم مثل السطح المسطح للحجر المستخدم في الطحن. تحت ظروف معينة  يمكن أن تتشكل الأحجار بواسطة قوى الطبيعة فتصبح مثل المصنوعات اليدوية ولكنها ليست كذلك. هذه تدعى مصنوعات الطبيعة في أغلب الأحيان، ويمكن أن تخدع حتى الخبراء .

 

إذا استخدمت حجراً لدق وتد لخيمة أثناء رحلة تخييم. هذا الحجر المستخدم يصبح أداة ، ولكن علماء الآثار قبل 10.000 ألف سنة من الآن من المؤكد أنهم لم يصنفوه هكذا. مثل هذه الأدوات العادية موجودة في ا لسجل الآثاري ولكن نادراً ما يتم تعريفها أو تسترد بواسطة علماء الآثار.

 

الأدوات التي تتكون من قطعة واحدة، مثل ملف مسمار حديث  تسمى مواد بسيطة. وتلك الأدوات التي تحتوي على أجزاء متعددة مثل السكين  التي ذات النصل المعدني والمقبض الخشبي تسمى أدوات مركبة.

 

المصنوعات اليدوية تشمل جميع الأشياء القابلة للنقل والحمل والتي صنعت بواسطة الإنسان واستخدمت بواسطته، ولا تشمل فقط الأدوات، على سبيل المثال: الوعاء الخزفي المستخدم لغرض معين مثل الطبخ أو التخزين يعتبر من المصنوعات اليدوية.

 

إضافة إلى ما ذكر ، فإن العديد من المصنوعات اليدوية هي نتاج الحطام المتخلف من تصنيع الأدوات أو الأشياء الأخرى. على سبيل المثال لصنع أداة للتقشير حجرية مثل الفأس اليدوي يحتاج الفرد إلى مادة خام إضافة إلى مطرقة حجرية. المطرقة تستخدم لصناعة الفأس، حطام التقشير يسقط على الأرض ولا يجب أن يمس مرة أخرى.  وبرغم أن هذه البقايا من عملية صناعة الفأس لا تعتبر أدوات وسوف لن يتم أبداً استخدامها، ولكنها تظل نتاجاً لنشاط بشري ولذلك تعتبر من صنع البشر الذي يجب أن يحظى بالاهتمام. وفي الكثير من الحالات فإن الذي يتم اكتشافه يكون فقط من هذه البقايا أو الحطام. 

وكما ذكرنا أعلاه، فإن العديد من المصنوعات اليدوية في سجل الآثار قد تم التوصل إليها هي مواد  لم تعد قابلة للاستخدام ولذلك تم طرحها. والبعض منها يدخل إلى السجل وهو سليم أما لأنه تم فقدانه أو لأنه تم تخبئته بواسطة صاحبه.

 

عالم الآثار يمكن أن يكتشف الكثير من المواد التي صنعها الإنسان وهي في مراحل مختلفة من أعمار استخدامها، ويخلق ذلك نوع من التحدي لتفسير تلك الأدوات.

 

بعض المواد يكون من الواضح أن لها ذات أصل ثقافي ولكن لم يتم تعديلها ومن ثم لا تعتبر من المواد المصنوعة أو المعاد تشكيلها بواسطة الإنسان. على سبيل المثال، قد يقوم بعضهم بالتقاط حجر غير عادي في شكله من مصدر بعيد ويقوم بأخذه إلى قريته. هذا العنصر ليس فيه شاهد أو دليل على الاستخدام أو التعديل، ولكن من الواضح جلب إلى الموقع بواسطة أحد من الناس.

 

مثال آخر: الصخور المحترقة التي توجد في الكثير من المواقع. مثل هذه الصخور، تسمى في الغالب الصخور المتأثرة بالنار وقد يكون استخدمت كحجر طبخ، أو قد يكون تم استخدامها لعمل موقد أو مصطلى ولذلك احترقت، ولكنها بحد ذاتها  لا تعتبر شيئاً من صنع الإنسان.